سهيلة عبد الباعث الترجمان
190
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بالنفس إلى اللّه بعد تطهيرها والسمو بها إلى المقامات العليا حيث تتعرض في معراجها الروحي للنفحات الإلهية ، تلك الحياة التي دعت إليها الأديان وحثت عليها الشرائع . هكذا كانت حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل البعثة وبعدها ، فقد تميزت بالتحنث والخلوة والاكتفاء بالقليل من الزاد ، والإكثار من المجاهدات والرياضات ، فكانت بذلك الصورة الأولى المشرقة للحياة التي عاشها الزهاد والعباد والصوفية فيما بعد ، وجميعها قائمة على الخلق ، إذ كان من خلق الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم ما يعتبر عند الصوفية من أهم مقامات وأحوال الطريق الروحي إلى اللّه لأن خلقه القرآن ، لذا فإن أخلاق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هي أساس كل طريق صوفي . ولما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الأسوة الحسنة لصحابته فقد نهلوا من منهله الصافي واخذوا عنه كل ما يقوّم حياتهم ، فكانوا رواد الحياة الروحية الأوائل لصوفية المسلمين ، فقد حرك الرسول فيهم عقيدة التوحيد الصافي النقي ، كما دعاهم إلى هجران الحياة الدنيوية المضطربة الآثمة ، وذكرهم بالحياة الأخروية وخلود الروح ، فاقتدوا به ونهجوا نهجه . فالصديق رضي اللّه عنه أول أصحابه صلّى اللّه عليه وسلّم فقد اختار الفقر والزهد وتجرد عن الدنيا وتفرد للحق ، وأختار عمر رضي اللّه عنه الزهد والفقر ، فصفت نفسه وطهر قلبه وظهرت عليه الكرامات وخوارق العادات والمكاشفات ، وامتاز عثمان بجاهدة النفس وقهرها ، والزهد في الدنيا وكثرة العبادة . وقد نال علي رضي اللّه عنه منزلة عالية عند الصوفية فقد اختار الزهد والتقلل من الدنيا ، وقيل فيه أنه أعطي العلم اللّدنّي الذي خصّ به الخضر عليه السلام هكذا كان الصحابة رضي اللّه عنهم على مثل هذه المجاهدة ، وكان حظهم من الكرامات أوفر الحظوظ ، لكنهم لم تقع لهم بها عناية ، وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي اللّه عنهم كثير منها ، وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ، ومع كل ما تميز به صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يطلق عليهم اسم الصوفية ولم نقل أبو بكر الصوفي ولا عمر الصوفي ولا عثمان ولا علي الصوفي مع كثرة ورعهم واقتدائهم بالرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم وأخذهم عنه مباشرة ، فلم يكن لهم حرص على كشف الحجاب إنما الاقتداء بالرسول والأخذ عنه فقط .